أحمد مصطفى المراغي
34
تفسير المراغي
( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا . إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ) أي مما نقصّ عليك ذكر رحمة ربك عبده زكريا حين دعا ربه دعاء خفيا مستورا عن أعين الناس . وإنما أخفى دعاءه ، لأنه أدل على الإخلاص ، وأبعد من الرياء ، وأقرب إلى الخلاص من لائمة الناس ، على طلب الولد وقت الكبر والشيخوخة . وقصارى ذلك - إن في هذه السورة ذكر الرحمة التي رحم اللّه بها عبده زكريا حين أسرّ بدعائه إليه . ثم فصّل كيفية دعائه بقوله : ( قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا . وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً ) أورد زكريا عليه السلام قبل سؤاله أمورا ثلاثة ، كل منها يستحق الرحمة والشفقة : ( 1 ) ضعفه ظاهرا وباطنا ، وأثر الأول قد ظهر في العظام التي هي حاملة سائر الأعضاء ، ومتى وصل إليها الضعف كان ضعف ما عداها أولى وأجدر ، وأثر الثاني واضح باستيلاء الشيب على الرأس واضطرامه في السواد كما قال ابن دريد : إما ترى رأسي حاكى لونه * طرّة صبح تحت أذيال الدجى واشتعل المبيضّ في مسودّه * مثل اشتعال النار في جمر الغضا ( 2 ) إنه ما ردّ دعاؤه ولا خاب استعطافه حينا من الدهر ، بل كان كلما دعا استجيب له ، وهو في هذه الحال أجدر بالإجابة لضعفه وشيخوخته ، وفي هذا إشارة إلى لطف اللّه به ، وعظيم فضله عليه ، مدى حياته . وقد روى التاريخ أن معن بن زائدة أتاه سائل فقال من أنت ؟ قال أنا الذي أحسنت إليه حين كذا ، قال مرحبا بمن توسل بنا إلينا وقضى حاجته . ( 3 ) إن في إجابة الطلب منفعة دينية ، إذ أنه خاف أن الموالي أي الورثة الذين يخلفونه في إقامة الشعائر الدينية - لا يؤدون ما يجب عليهم نحو الدين من نشره وتبليغه الناس وعبادة اللّه كما أمر ، والذبّ عنه إذا جد الجدّ ، ووجب الدفاع عنه ، فقد أثر عنهم